البخاري

تصدير 44

صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )

وقد يصادفنا بعض المطبوعين على التهجم ، أولئك الذين يريبهم دائما أن يذكر الناس بالفضل ، ويطعنون كل حقيقة بالشك ، قد يصادفنا بعض هؤلاء فينكرون كل ما روى عن البخاري في عد محفوظه ، ويعتبرونه اختلاقا من الرّواة عليه ، أو ادعاء وتزيّدا منه ، ولهؤلاء نقول : إنّه لا اختلاق ولا ادعاء ، وما هي إلّا الحقيقة الخالصة ، ففي الرجال نوادر من الأفذاذ النابهين تختارهم الأقدار لبعض جوانب النشاط الإنسانى ، وتسمو بقدراتهم وطاقاتهم فيه على المعايير المألوفة للناس ، ولا تجود بأمثالهم إلّا بين الحين والحين ، وهؤلاء لا ينبغي لأحد أن يقيسهم بطاقته المحدودة ، ولا أن يتعرض لأقدارهم ، قبل أن يتعرّف على مواهبهم وكفاياتهم وأن يعتبرها بمتطلبات النشاط الذي وجّهتهم العناية إليه ، وملكتهم زمام الشهرة فيه ، فإن كانت مواهبهم دون ما نالوا من شهرة فليطعن بما شاء ، وإلّا فليقطع كل لسان قبل أن يمسهم بسوء . والبخاري واحد من هؤلاء الأفذاذ النادرين ، والعمل الذي وهبه حياته هو خدمة الحديث النبوي الشريف ، والامتياز الذي ناله كان في متطلبات هذا العمل ، ومن أهمها الحفظ الغزير ، والأعداد التي رويت في تقدير المشهور من حفظه لا تعلو على مستوى كفايته ، بل هي دونه بكثير ، فالعناية التي اختارته لهذا العمل العظيم ، منحته من أسباب التوفيق ما يضمن له النجاح ، وسلّحته من استعداد النفس والعقل بأقوى سلاح ، وكمال استعداده النفسي يرجع في أسبابه الظاهرة إلى أنّه وفق من صغره في اختيار عمله ، وقد عبر عن هذا أروع تعبير حين قال : « ألهمت حفظ الحديث